ابراهيم بن عمر البقاعي
278
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السّلام تظهر عليهم غرائز العلوم والحكم وغير ذلك مما يجريه اللّه على أيديهم ، ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد كما روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يمشي غير مكترث « 1 » ، وأن الصحابة رضي اللّه عنهم ليجهدون أنفسهم ، فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا ، وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل ، وكان واثقا من نفسه بأنه يصرع من صارعه ، فلم يملكه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه ، وعاد إلى ذلك ثلاث مرات ، كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول : إن هذا لعجب يا محمد ! أتصرعني « 2 » ، وحتى أنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد « 3 » إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس ، ولم يحك عن نبي من الأنبياء ممن عاش منهم ألفا ومن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه ، بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أن ملك الموت عليه السّلام أرسل إلى موسى عليه السّلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة ، قال : أي رب ! ثم ماذا ؟ قال : الموت ، قال فالآن « 4 » . وفي آخر التوراة : وقضى عبد اللّه موسى بأرض موآب بأمر الرب ، فدفن حذاء بيت فاغورا ، ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا ، وكان موسى يوم قضى ابن مائة وعشرين سنة ، لم يضعف بصره ولم يشخ جدّا ، لما كان الأمر كذلك ، وكان اللّه سبحانه قد جعل إرسالهم في سني الوقوف في الغرائز والضعف في القوى خرقا للعادة إكراما لهم وتنبيها للناس على صدقهم ، علم من العطف على غير معطوف عليه ظاهر ومن الإتيان بضميره صلّى اللّه عليه وسلّم من غير تقدم ذكر له أن التقدير : لكن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم عمرناه وما نكسناه بل منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون ، فأتى بقرآن أعجز الإنس والجن ، وعلوم وبركات فاتت
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 3 / 228 والترمذي 3648 وفي الشمائل 115 وابن حبان 6309 والبغوي 3649 وابن سعد 1 / 415 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وهو حديث صحيح . ( 2 ) أخرجه ابن هشام في السيرة 1 / 369 عن ابن إسحاق عن أبيه وهذا مرسل . وذكره ابن حجر في الإصابة 1 / 520 / 2689 فقال : أخرجه البلاذري . وقال ابن حبان : خبر مصارعة ركانة فيه نظر ا ه . ( 3 ) أخرجه البخاري 284 و 2515 و 5068 وأحمد 3 / 166 والنسائي 6 / 53 - 54 والترمذي 140 عن أنس رضي اللّه تعالى عنه وأخرجه البخاري 268 وأحمد 3 / 185 والترمذي 140 والنسائي 1 / 143 وابن خزيمة 231 وابن حبان 1208 عن أنس في طوافه صلّى اللّه عليه وسلّم على إحدى عشرة امرأة من نسائه ولم أجد ما ذكر المؤلف في تسع مرات للواحدة . ( 4 ) أخرجه البخاري 1339 و 3407 ومسلم 2372 وأحمد 2 / 5332 والنسائي 4 / 118 وغيرهم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه .